عبد الملك الجويني
85
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهما جنسان مختلفان ، قلنا : اللبن يُعدُّ جنساً واحداً ، وليس يَبين فيه اجتماع أخلاطٍ ، ولو سلكنا هذا المسلكَ ، لمنَعنا بيع السمسم بمثله ، لاشتماله على الثُّقل والدُّهن ، ولقُلنا : لا يجوز بيع التمر بالتمر ؛ لاشتماله على المطعوم والنَّوى . واتفق الأصحاب على منع بيع الشَّهد ( 1 ) بالشهد ، وعللوا بأنه شمع وعسل . وأوقع عبارة في الفرق بين الشهدِ واللبن أن الشمع غيرُ مخامر للعسل في أصله ؛ فإن النحلَ ينسِج البيوت من الشمع المحض ، ثم يُلقي في خَللَهِ العسلَ المحضَ ، فالعسل متميّز في الأصل ، ثم من يشتارُ ( 2 ) العسلَ يخلطه بالشمع بعضَ الخلط بالتعاطي والضَّغط ، وليس اللبن كذلكَ . فإن قيل : قد ذكرتم أن اللبن في حكم جنسٍ واحد ، لا اختلاطَ فيهِ ، فجوّزوا بيعَ اللبن بالسمن بناء على أن اللبن جنسٌ واحد . قلنا : هذا فيه بعض الغموض من طريق التعليل ، ولكنه متفق عليه . وفي معناه بيعُ السمسم بالشَيْرج ، مع تجويز بيع السمسم بالسمسم ، وأقصى الممكن فيه أن اللبن إذا قوبل بالسمن ، فلا يمكن أن يُجعل مخالفاً للسمن ؛ فإنّ اللبن إذا مُخض يُجمع منه السمن ، فإذا لم يكن مخالفاً للسمن ، فإنما يُجانسُه بما فيه من السمن ، لا بصورته وطعمه ؛ فإن صورته تُخالف صورة السمن ، وإذا اعتبرنا السمنَ لما ذكرناه ، انتظم منه أنه بيعُ سمنٍ بسمنٍ ومخيض ، وأما بيع اللبن باللبن ، فيعتمد تجانس اللبن في صفته الناجزة ، ولا ضرورة تُحوِج إلى تقدير تفريق الأجزاء ، فافهموا ذلك . فإن قيل : ذكرتم أن منع بيع الشهد بالشهد معلّلٌ بأنه بيعُ شمع وعسل ، ثم حققتم ذلك بتميّز العسل في الخلقة عن الشمع ، والنوى في الفطرة متميز عن المطعوم في التمر ؟ قلنا : الأمر كذلك ، ولكن صلاح التمر في ادّخاره في بقاء النوى فيه ، فاحتمل ذلك هذه الضرورةَ ، وصلاح العسل في تصفيته . ويمكن أن يقال : الشمعُ في العسل بمثابة العظم في اللحم .
--> ( 1 ) الشهد : بفتح الشين وضمها . ( لغتان ) ( المصباح ) . ( 2 ) يشتار العسل أي يجنيه ، من قولهم : شُرتُ العسلَ أشوره شَوْراً من باب ( قال ) إذا جنيتُه وأخرجته من خليته . ( المعجم ) .